ابن الجوزي

21

بستان الواعظين ورياض السامعين

أعوذ باللّه من التمادي في الآثام ، أعوذ باللّه من معصية السلام ، أعوذ باللّه من عذاب الغرام . [ « 22 » ] زينة السماء روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لما خلق اللّه تبارك وتعالى الجنة قال لها : تزيّني فازّينت ، ثم قال لها : تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون ، فجعل اللّه تعالى السماء في الدنيا موضع نظرك ، وجعل الجنة المزينة في العقبى موضع ترغبك ، فإذا ستر اللّه تعالى إبليس الملعون في الدنيا وغيّبه عن بصرك لئلا يستوحش قلبك بقبح صورته ، فأولى أن يستر أعمالك القبيحة من الفساد والآثام من الفضيحة يوم التناد على رؤوس الأشهاد . لطف اللّه بعباده فستر إبليس عنهم فقال : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] فكأنه سبحانه وتعالى قال لعبده المؤمن : أنا حبيبك الأعظم ، وإنّ إبليس عدوك الأعظم ، فلو رأيته وهو أعظم أعدائك عليك لشق ذلك عليك فسترته عنك ليكون حزن الدنيا ونصبها ، وترادف همومها وغمومها ، أهون عليك . وكان أيضا يجتمع عليك مغيب حبيبك الأعظم ، ورؤيتك عدوك الأعظم ، فغيب إبليس عنك حتى لا تراه كما لا ترى حبيبك الأعظم فيكون الأمر أهون عليك . أعوذ باللّه من التضليل والتسويف ، أعوذ باللّه من الزيغ والتحريف ، أعوذ باللّه من سخط الرب اللطيف . حكي عن سهل بن عبد اللّه التستري رحمة اللّه عليه قال : رأيت إبليس اللعين في المنام فقلت له : أي شيء أشد عليك ؟ فقال : استعاذة المستعيذ برب العالمين الذي هو أرحم الراحمين . [ « 23 » ] طهارة العاصي ونجاسة المعصية واعلم يا أخي أن العبد المؤمن وإن أطاع الشيطان بنفسه فهو غير راض بقلبه ، وإنما مثله كمثل الواقع في نجاسة وبين يديه غدير ماء طاهر فيكون قلبه مع

--> ( 22 ) حديث « لما خلق اللّه الجنة » . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 11 / 184 ) من حديث ابن عباس . ( 23 ) حديث « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم » . مسلم : كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم ( 2564 / 32 ) من حديث أبي هريرة .